أكد رئيس النادي الاقتصادي الجزائري، سعيد منصور، أن بناء صناعة سيارات حقيقية في الجزائر لم يعد خيارا ظرفيا، بل توجّها استراتيجيا يفرضه تسارع التحولات الاقتصادية عالميا، مؤكدا أن تحقيق السيادة الاقتصادية يمرّ حتما عبر إرساء تكامل صناعي فعلي، خاصة في قطاع حيوي مثل صناعة المركبات.
وأوضح منصور، وهو كذلك رئيس لجنة قطع الغيار بالنادي نفسه، أن الحديث عن صناعة سيارات لا يمكن أن يظل حبيس نشاط التركيب، بل يجب أن ينطلق من القاعدة الأساسية لأي منظومة صناعية، وهي المادة الأولية، مبرزا أن الجزائر تمتلك إمكانات معتبرة، سواء في الحديد أو المواد البلاستيكية، وهي مكونات تدخل بشكل مباشر في تصنيع مختلف أجزاء السيارة.
وأشار المتحدث إلى أن الحديد والبلاستيك يمثلان حجر الأساس لأي صناعة متكاملة، حيث يُستخدم الحديد في الهياكل والمكونات المعدنية، فيما يشكل البلاستيك جزءا واسعا من التجهيزات الداخلية والخارجية. واعتبر أن تطوير هذين القطاعين محليا، عبر استغلال الموارد الوطنية وتحويلها صناعيا، من شأنه خلق قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد الوطني، وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، خاصة في ظل اضطرابات سلاسل التموين العالمية.
وفي السياق ذاته، شدد منصور على أن تقليص الاستيراد يمثل أحد أبرز رهانات المرحلة، موضحا أن الاعتماد المفرط على الخارج يجعل الاقتصاد عرضة للتقلبات ويؤثر بشكل مباشر على احتياطي الصرف.
بالمقابل، فإن بناء سلسلة إنتاج محلية متكاملة، تمتد من المادة الأولية إلى المنتج النهائي، سيسمح بتقليص فاتورة الاستيراد، دعم الإنتاج الوطني، وتحقيق توازن اقتصادي أكثر استقرارا.
كما أبرز المتحدث الدور المحوري للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، معتبرا إياها العمود الفقري لأي اقتصاد منتج، حيث يمكنها الاضطلاع بمهام المناولة الصناعية، تصنيع المكونات الجزئية، وتقديم الخدمات التقنية واللوجستية، وأضاف أن تنظيم هذه المؤسسات ضمن أقطاب صناعية متكاملة سيحوّلها إلى قوة دفع حقيقية نحو بناء منظومة إنتاج فعالة ومترابطة.
وفيما يتعلق بضمان استدامة النشاط الصناعي، أكد منصور أن نجاح أي مشروع صناعي يبقى مرتبطا بوجود سوق واضحة ومستقرة، مشيرا إلى أن مصانع السيارات مطالبة بلعب دور المحرك الأساسي لهذه المنظومة، من خلال تحديد احتياجاتها من قطع الغيار، ومنح طلبيات مسبقة للمصنعين المحليين، بما يخلق سوقا مضمونة تشجع على الاستثمار والإنتاج وتجنب حالات الركود.
ولم يغفل المتحدث أهمية المورد البشري، حيث شدد على ضرورة ربط التكوين المهني والجامعات ومراكز البحث العلمي بشكل مباشر باحتياجات الصناعة، معتبرا أن المؤسسات الناشئة والتكنولوجيات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، تمثل فرصة حقيقية لتطوير الإنتاج، تحسين الجودة، ورفع القدرة التنافسية.
وفي هذا الإطار، أوضح منصور أن تحقيق التكامل بين مختلف حلقات الإنتاج، بدءا من المادة الأولية كالحديد والبلاستيك، مرورا بالصناعة التحويلية، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وصولا إلى مصانع السيارات ومنظومة التكوين والبحث، كفيل ببناء قطب صناعي وطني متكامل، قادر على تلبية احتياجات السوق المحلية والتوجه نحو التصدير، خاصة نحو الأسواق الإفريقية.
وخلص المتحدث إلى أن الجزائر تمتلك كل المقومات اللازمة لبناء صناعة سيارات حقيقية، غير أن النجاح يظل مرهونا بمدى القدرة على تنظيم الجهود، تنسيق الفاعلين، وتوجيه الاستثمار نحو خلق القيمة المضافة.
وأكد منصور في ختام حديثه أن بناء صناعة وطنية متكاملة لا يُعد مجرد مشروع اقتصادي، بل هو خيار سيادي يعكس إرادة دولة في الاعتماد على نفسها، وتحويل ثرواتها الطبيعية إلى قيمة صناعية حقيقية تخدم المواطن وتدعم الاقتصاد الوطني.
المصدر : موقع الشروق أولاين