في أي سوق طبيعي حول العالم، تفقد السيارة جزءاً من قيمتها بمجرد خروجها من قاعة العرض. لكن في الجزائر، تنقلب القواعد الاقتصادية رأساً على عقب، حيث تُباع السيارات المستعملة (التي قطعت آلاف الكيلومترات) في الأسواق الأسبوعية أو عبر منصات الإنترنت بأسعار تفوق سعرها وهي جديدة لدى الوكيل الرسمي بـ 30 إلى 70 مليون سنتيم.
لماذا المستعمل أغلى من الجديد؟
لتفكيك هذه المعضلة، يجب شرح العوامل الأساسية التي يغفل عنها الكثيرون: عامل “الاستلام الفوري” (الواجد للواجد): شراء سيارة جديدة من الوكيل يعني الدخول في رحلة انتظار طويلة قد تدوم أشهراً بسبب ندرة “الكوطة”، في المقابل، يفضل المشتري دفع فوارق مالية كبيرة مقابل الحصول على السيارة فوراً والمغادرة بها من السوق.
هيمنة علامة واحدة وتنامي الاحتكار: مع بقاء علامة “فيات” كخيار وحيد تقريباً في السوق وتدني حجم المعروض مقارنة بالطلب الضخم، نشأت “سوق سوداء” يقودها سماسرة (بزناسة) يشترون السيارات الجديدة لإعادة بيعها فوراً بهامش ربح خيالي.
ارتباط الأسعار بسعر “السكوار”: السيارات المستوردة من طرف الخواص (أقل من 3 سنوات) يتم شراؤها بالعملة الصعبة من الأسواق الأوروبية والصينية و ارتفاع أسعار الأورو في السوق الموازية (السكوار) ينعكس مباشرة على السعر النهائي للسيارة في الجزائر، حتى وإن كانت مستعملة.
. أمثلة حية من واقع السوق الجزائري
فيات دوبلو النفعية سعرها لدى الوكيل الرسمي محدد بقيمة 289 مليون سنتيم لكن سعرها في السوق يتجاوز 400 مليون سنتيم، وكذالك الأمر بالنسبة لفيات بانوراما التي يبدأ سعرها من 335 مليون سنتيم ويتجاوز سعرها بعد خروجها من المصنع 500 مليون سنتيم لدى “االسماسرة” رغمن الإجراءات الصارمة التي تقودها وزارة التجارة بالتنسيق مع مصالح الأمن للحد من المضاربة في سيارات فيات الجديدة.
وحتى السيارات التي يعود تاريخ تصنيعها لـ 6 أو 7 سنوات مضت (مثل رونو كليو 4، أو فولكس فاجن غولف 7) لا تزال تحافظ على أسعار خيالية تقترب من سعر سيارة صفر كيلومتر بسبب غياب البدائل الاقتصادية الجديدة.
الانعكاسات على المواطن البسيط
إقصاء الطبقة المتوسطة: تحول حلم امتلاك سيارة إلى أمر مستحيل للموظف الجزائري البسيط، بعدما تجاوزت أسعار السيارات المستعملة “المتهالكة” حدود المنطق.
انتعاش التجارة الطفيلية: تحول سوق السيارات من فضاء لتلبية حاجة النقل إلى ملاذ للمضاربة وتحقيق أرباح سريعة دون تقديم أي قيمة مضافة للاقتصاد.
بوادر الإنفراج.. دخول علامات جديدة وفتح الإستيراد
سيكون عام 2027 بداية لعودة المنافسة في سوق السيارات في الجزائر ودخول علامات جديدة عبر إطلاق مصانع للسيارات بالجزائر على غرار علامات هيونداي وشيري وأوبل وهذا ما سيؤدي الى زيادة العرض وتنافسية في الأسعار حيث يتوقع ارتفاع انتاج السيارات في الجزائر الى أزيد من 180 ألف سيارة عام 2027 لكل من علامات فيات وشيري وهيونداي وسيتجاوز العدد 250 ألف عام 2028 حيث تعتزم علامة فيات وخدها انتاج 135 ألأف سيارة وهنا ستعود الأسعار الى طبيعتها تدريجيا، وولا يمكن لهذه المعضلة أن تنتهي إلا بكسر حلقة الندرة و الحل الوحيد لعودة الأسعار إلى منطقها الطبيعي حسب الخبراء يكمن في فتح باب الاستيراد الرسمي لعلامات متعددة لخلق المنافسة، وتسريع وتيرة الإنتاج المحلي لرفع حجم المعروض وتلبية الطلب المكبوت منذ سنوات.